محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
274
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
بالهواء ؛ لكونه من جنس الأصوات ، كما عرفت في مباحث الأعراض . وهذا - أعني التكلّم وإلقاء الكلام - يتوقّف فينا على آلة وجارحة لا محالة ، وقد أخبر الأنبياء عليهم السّلام بأنّ الله تعالى متكلّم ، وجاءوا بكلام أخبروا أنّه كلام الله تعالى ، وهو منقسم إلى إخبار وأمر ونهي إلى غير ذلك من أقسام الكلام ، ودلّت المعجزة على صدقهم ، وهو أمر ممكن ؛ فإنّه وإن كان متوقّفا فينا على الآلة ويمتنع صدوره عنّا بدونها ، لكن لا يدلّ ذلك على كونه ممتنعا في حقّه تعالى أيضا بدون الجارحة والآلة ؛ لعموم قدرته التامّة وضعف قدرتنا الناقصة ، وكلّ ما أخبر الأنبياء عليهم السّلام عن الله تعالى من الممكنات يجب تصديقهم فيه من غير تأويل وصرف عن ظاهره . وهذا معنى قوله : ( وعموميّة قدرته تدلّ على ثبوت الكلام ) أي بعد ضمّ إخبار الأنبياء كما عرفت ، فالكلام الذي هو من صفته تعالى هو بمعنى التكلّم ؛ فإنّ المتكلّم من قام به التكلّم ، لا من قام به الكلام ، وهذا ظاهر جدّا . والأشاعرة توهّموا أنّ الصفة هو الكلام بمعنى ما به التكلّم ، والمتكلّم من قام به الكلام بهذا المعنى ، وأطلقوا القول بأنّ القرآن قديم ، وأنّ من قال بخلق القرآن وحدوثه مبتدع ، بل كافر . ثمّ لمّا رأوا أنّ الكلام بهذا المعنى - الذي حقيقته ليست إلّا الأصوات والحروف الحادثة - لا يجوز أن يكون قديما قائما بذاته تعالى ، اخترعوا أمرا محالا سمّوه بالكلام النفسيّ ، وقالوا : إنّه مدلول الكلام اللفظيّ ، وأرادوا به غير العلم بمدلولات الألفاظ ، وغير إرادة إلقاء الكلام ، وغير القدرة على ذلك ، وغير حديث النفس . وقالوا : إنّه أمر واحد في نفسه ليس بخبر ولا أمر ولا نهي إلى غير ذلك ، ولا يدخل فيه ماض ولا حال ولا استقبال . وقالوا : إنّ الكلام حقيقة ليس إلّا ذلك ، واللفظيّ سمّي كلاما ؛ لدلالته على ذلك « 1 » .
--> ( 1 ) . انظر « شرح المواقف » 8 : 90 - 104 ؛ « شرح المقاصد » 4 : 143 - 151 .